افتتاحيةالأخبار

الأحزاب السياسية التونسية” الواقع والتحديات”

بقلم محمد المأمون حمدي

هل كان علينا انتظار نتائج الانتخابات الرئاسية لشهر اكتوبر لسنة 2019 في تونس حتى نقف على ازمة الأحزاب وتراجع وزنها وتأثيرها؟
فهذه الانتخابات شكلت حدثا هاما واحدثت تغييرا في المشهد السياسي، حيث شهدت هزيمة مرشحي الاحزاب وخاصة منها التقليدية الكبرى، مقابل فوز ساحق لمرشح من خارج المنظومة الحزبية. وان كان ذلك يعتبر صدمة ومفاجأة غير منتظرة، فإن هناك من المحللين والمتابعين للشأن السياسي التونسي من يراه طبيعيا ومنتظرا، فنتائج الانتخابات البلدية التي أجريت في ماي 2018 كانت بمثابة المؤشر على تراجع الأحزاب السياسية وتنبيها ورسالة مشفرة لها للتدارك وترتيب اوراقها ومراجعة اخطائها، حيث شهدت هذه الانتخابات مقاطعة الناخبين وانحسار الخزان الانتخابي في حدود المليون ونصف ناخب وصعود لافت للقوائم المستقلة التي حازت على نسبة 30 بالمائة من جملة المقاعد في المجالس البلدية.
هذا التراجع للأحزاب طال حتى الانتخابات التشريعية إذا اخذنا بعين الاعتبار نسبة المشاركة المتدنية حيث لم تتجاوز نسبة المقترعين فيها نسبة 41 بالمائة مما أفرز برلمانا فسيفسائيا مشتتا بلا اغلبية واضحة ومريحة لتشكيل الحكومة وكتلا حزبية صغيرة متنافرة سياسيا وايديولوجيا، وهو ما يقيم الدليل على تآكل رصيد الأحزاب وتراجع شعبيتها.
هذا التراجع للأحزاب، في نظر شق آخر، يتنزّل ضمن سياق تغيّر عالمي، حيث ظاهرة اهتراء الأحزاب التقليدية طالت أعتى واعرق الديمقراطيات مثل فرنسا وبريطانيا.
وفي مقابل هذا التّراجع الحزبي، تحول اهتمام كثير من المواطنين من الأحزاب السياسية العريضة بتنوعاتها الأيديولوجية المختلفة، والتي أثبتت الممارسة أنها عجزت عن تحقيق تطلعات ورغبات الشعوب، إلى المجتمع المدني وخاصة كبرى المنظمات الوطنية التي تركز على حقوق الأفراد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتتفاعل مباشرة مع الناس وليس من خلال “ممثلين” عنهم سواء كانوا نوابًا في المجالس المحلية أو المجالس النيابية.
كما حلّ الاعلام الافتراضي بالنسبة لجانب هام من المنتخبين وخاصة الفئات الشابة محلّ الأحزاب عبر المواقع الاجتماعية التي مكّنت الجماهير من المساهمة في صناعة المادّة الإعلاميّة بعد أن كانت مجرد متقبلة ومستهلكة لها، و اضطلعت بدور كبير في تغيير المشهد السياسي الحالي وساهمت في تشكيل الرأي العام وتوجيهه وتحديد اختياراته خلال الانتخابات الرئاسية لشهر أكتوبر 2019، التي شهدت ارتفاعا في نسبة مشاركة الشباب وخاصة من الفئة العمرية المتراوحة بين 18 و27 سنة، هذه الفئة الممثّلة لجيل الثورة والتي تستمد وعيها السياسي من الثقافة الالكترونية ومعظمها قطع صلته بالدوائر السياسية والحزبية التقليدية لتثبت الأجيال الشابة أنّ هناك رأيا آخر علينا احترامه ولو اختلفنا معه.

وان تعددت العوامل التي تفسر ظاهرة تراجع الأحزاب السياسية التونسية، فإنّ ابرزها عجز جميع الحكومات المتعاقبة منذ سنة 2011 وخاصة الحكومات السياسية المنبثقة عن الاحزاب عن إيجاد حلول ومخارج للازمات التي تعاني منها تونس خاصة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي ولا سيما مشكل البطالة، وتراخيها في خلق منوال تنموي جديد والقيام بالإصلاحات اللازمة المنتظرة وتأخرها في محاربة الفساد الذي طال كل القطاعات و الاقتصاد الموازي والتهرب الضريبي والاحتكار وإيجاد حلول للمشاكل الأمنية في ظل انتشار كبير للجريمة والإرهاب.

الفجوة بين الناخب والحزب:
إنّ غياب الأحزاب وارتباط عملها بالمواعيد الانتخابية فقط، خلق فجوة بينها وبين المواطنين حيث لم تعد معبرة ومدافعة عن همومهم وقادرة على تحقيق تطلعاتهم وأنّ ما يتمّ ترويجه خلال الحملات الانتخابية مجرّد شعارات ووعود غير قابلة للتحقيق وتفتقد للواقعية والموضوعية، وهو ما أدى الى تعاظم القطيعة بين الطرفين واهتراء صور الأحزاب والسياسيين لدى الناخبين ليصبحوا في نظرهم مجرد ممارسين للسياسة من اجل المنافسة على السلطة وفي خدمة الأحزاب اساسا على حساب المواطنين والشأن العام.

الأحزاب وأزمة المراجعات:
– على مستوى التسيير الحزبي:
رغم أنّ الممارسة الحزبية في تونس كما في سائر الاقطار العربية قديمة وضاربة في التاريخ وتنتمي الى مدارس ايديولوجية وسياسية مختلفة ، يعاب على كثير منها انعدام التسيير المحوكم والتداول الديمقراطي على قيادتها وتطوير أساليب تسييرها بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة الحديثة المفعمة بروح الثورة التي أعلنت عن مرحلة سياسية وبداية مسار ديمقراطي جديدين ، وبالتالي فإنّ السقوط المدوي هو مصير الأحزاب التي تفتقد للتسيير الديمقراطي واحترام الاختلاف كمصدر للثراء والتشارك في اتخاذ القرار ورسم استراتيجيات الحزب والمساهمة في صياغة البرامج ، بالإضافة الى ابتعاد المواطن عنها وعدم الانخراط فيها لأنه يراها تجسيدا للدكتاتورية والانفراد بالرأي وتكريسا للتسيير العمودي الذي تنتفي في إدارته الحوكمة الرشيدة و العمل من أجل البناء التشاركي.

على مستوى الصراعات الأيديولوجية:
يسود اليوم وعي جماعي لدى عموم المتابعين بأنّ الصّراع الإيديولوجي يعدّ من أهمّ الأسباب التي ساهمت في تخلّف الممارسة الحزبية في تونس، فالصراع بين التيارات السياسية اليمينة واليسارية وبين مختلف المدارس السياسية الأخرى مردّه خلافات إيديولوجية عقيمة تجاوزها الزمن و وقفت على حقيقتها الأحزاب الايديولوجية في عديد الدول التي قامت بمراجعات عميقة ونقد ذاتي موضوعي مكنّها من أن تتأقلم مع الواقع واكراهاته وتتحرر من سجن الإيديولوجيا والرموز السياسية والفكرية من الزعماء والــمــنظّرين والمــتحــزّبـين و التعامل معها على أساس أنّها قواعد رياضية علمية لا تحتمل النّقد والتغيير والتأويل والانعتاق من العصبيات التي تكرّس الانغلاق و إقصاء الاخر على حساب المصلحة الوطنية التي تقتضي توظيف الاختلاف لإثراء الساحة السياسية التي يكون فيها التنافس على أساس البرامج والبدائل مما يساهم في خلق فضاء متنوع تتعايش فيه مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية عوضا عن علاقات التنافر الذي يصل أحيانا الى درجة العداء الأيديــولــوجــي و يؤثّر سلبا على مجمل العملية السياسية وخاصة الانتقال الديمقراطي، ويعطّل عمليات الإصلاح في كل الميادين و تحقيق التنمية الاقتصادية وحل الازمات الاجتماعية والأمنية والبيئية المتفاقمة.
على الأحزاب السياسية اليوم أن تدرك أنّه لا يمكن إخراج البلاد من عنق الزجاجة وتجاوز الأزمات واستكمال المسار الديمقراطي إلّا بالتعقل والتحلي بالمسؤولية والابتعاد عن الخلافات والصراعات الايديولوجية والتشبع بثقافة الدولة القائمة على التّنظم وفق القوانين والتشريعات والمؤسسات واحترام أحكام صناديق الاقتراع و إرادة الناخبين وأن يكون التنافس على أساس البرامج واقتراح الحلول التي تنفع المواطن والوطن.
الأحزاب ايضا ضحية القانون الانتخابي وعدم أخلقة الحياة السياسية:
تعددت النداءات والدعوات إلى تغيير القانون الانتخابي الحالي فــي تونــس ” قانـــون أكـــبـــر البقايا “الذي علاوة على افرازه لبرلمان مفتّت يتكون من كتل متنافرة ومعطلة لبعضها البعض، فإنّه يمنع الحزب الفائز في الانتخابات بالحكم بمفرده ويفرض عليه الدخول فـــي توافقات وتحالفات مع أحزاب أخرى ممّا يفرز حكومات محاصصة حزبية أقرب منها الى حكومات تصريف الأعمال تفتقد الى التخطيط والبرمجة وتكون في الغالب ضعيفة وهشة لا تستند الى أغلبية متماسكة في الـــبـــرلمان.
هذا، ويؤكد عديد الأساتذة وخبراء القانون الدستوري على ضرورة تعديل نظام الاقتراع، فالتمثيل النسبي مع الأخذ بأكبر البقايا كان خيارا صائبا فقط خلال المرحلة التأسيسية عند انتخاب المجلس الوطني التأسيسي لأنّه يتيح الفرصة لأكثر ما يمكن من التيارات السياسية للمشاركة في صياغة الدستور مما يضمن التوافق والاجماع حول توجهاته ومضامينه.
كما يتحتم اليوم أخلقة المشهد السياسي وإنهاء ظاهرة السياحة الحزبية التي أثّرت على استقرار الكتل البرلمانية وعلى تماسك الأحزاب وتهدد حتى المسار الديمقراطي، وساهمت في تشويه صورة الأحزاب لدى ناخبيها وانصارها لأن القفز من حزب الى حزب في نظرهم خداعا لهم وتحيلا على ارادتهم.
فالسياحة الحزبية كشفت أنّ الانتماء للأحزاب السياسية ليس نابعا من ايمان واقتناع بثوابت الحزب وأفكاره وبرامجه، بل من أجل مصالح شخصية أدت الى ترذيل الأحزاب ومضامينها وخلفياتها وأفرغت العملية الديمقراطية من قيمتها ليصبح الحزب مجرد جسر للعبور الى المناصب السياسية وقضاء المصالح الشخصية.
هذه العوامل تستدعي سنّ قانون انتخابي وقانون جديد للأحزاب ينسجم مع أحكام الدستور وينص على جملة من الإجراءات الجديدة تمنع السياحة الحزبية وتنظم تمويل الاحزاب مما يساهم في أخلقة الحياة السياسية وإعادة ثقة الناخبين في الاحزاب ومرشحيهم.
ختاما، لا يجب الاستهانة بهذا التراجع للأحزاب، لأنها تعرض الحياة السياسية عموما والمسار الديمقراطي بصفة خاصة إلى الخطر، فالفراغ تستغله قوى الفوضى والتيارات الشّعبوية لتسويق أوهامها عبر شعاراتها الطوباوية التي تغري الناخبين.

ورغم المآخذ العديدة على الأحزاب، فإنّها تظل في بداياتها تتحسّس طريق النجاح ونأمل أن تتعلم من أخطائها و فشلها لأنها العمود الفقري للحياة السياسية وتونس تحتاج الى أحزاب سياسية قوية تظلّ الفاعل الرئيسي في هذا الانتقال الديمقراطي وهذا لا يتسنى الا عبر القيام بالمراجعات والنقد الذاتي و التشخيص الموضوعي لعوامل فشلها حتى تنجح في ترجمة شعاراتها وبرامجها الى أفعال لان ذلك هو الضامن الوحيد لبقائها ومن اجل العبور بالبلاد نحو شاطئ النجاة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى