رأي

مشاكل الإجلاء في زمن الوباء , بقلم الحسين عبدالكبير

الحدث: اقتحام المواطنين العالقين في معبر راس جدير من الجانب الليبي الى الجانب التونسي دون الخروج من الحضيرة الامنية.

وجهة نظر المواطن العالق:
لسان حال المواطن العالق يقول: من حقي كمواطن عالق في أي دولة في العالم أن أطلب النجدة من حكومة بلدي لتتدخل لفائدتي في كل الأوقات العادية فمابالك بزمن الحرب فيروسية و مسلحة… اما و نحن مجموعة من المواطنين تجاوز عددنا 1000 شخص و الامر مرشح للزيادة يوميا و قد يصل الى 3000 الاف بمرور الايام حيث ان ليبيا تشهد حربا مسلحة و حربا ضد الفيروس و كل مرافق الحياة متوقفة فيها كأغلب دول العالم فلا عمل و لا مال و لا غذاء و لا أمن و امان للأجانب فالمبيت في الشارع يتهدد أغلبهم.. لماذا أبقى إذن؟ أليس من حقي أن أعود إلى وطني؟ أليس من حقي أن أعيش بين أهلي؟ من حقي على دولتي أن تنتشلني زمن الحرب حيث أنني لم أثقل كاهلها زمن السلم و ذهبت بعيدا أقتات لأجمع رزقي و هذا أبسط واجب تقوم به تجاهي… اليوم انا كمواطن معرض للنار، للوباء، الجوع، العطش، للسعات العقارب و اشعة الشمس الحارة و العراء في مكان لا تتوفر فيه ابسط مقومات الانسانية…. من حقي أن تطأ قدماي أرض بلادي و لتضعوني بعدها أين شئتم يا حكام البلاد في حجر أو مخيمات فلست أطلب غير ذلك… انتظرت يوما فأسبوعا و قارب الشهر على الإنقضاء و مازلت قابعا رفقة اخوتي و أبناء بلادي في نفس المكان دون مأكل و دون شرب و لا غطاء و الاعداد تتزايد يوميا و تتزايد معها المخاطر…. نسمع يوميا نفس الأعذار و التبريرات و الوعود و لكن لا شيء علىى أرض الواقع… لذلك فعلت ما فعلت مضظرا بعد أن نفذ صبري و استنفذت كل طاقاتي و أصبحت كل الامور لدي سواء..

 من وجهة نظر الدولة
لسان حال الدولة المنهكة يقول في حيرة و قلق: لقد قمت بإجلاء آلاف المواطنين من مختلف أصقاع العالم و كانت الاولوية للبلدان الموبوءة و لم ادخر جهدا في ذلك برغم وهني و معاناتي داخليا كسائر بلدان العالم في هذا الوقت و ضد هذا الوباء. في بادئ الامر فتحت الباب اما جميع الراغبين في العودة و لم أطلب منهم سوى الالتزام بالحجر الصحي الذاتي في منازلهم و لكنهم خذلوني و خرقوا حجرهم و نشروا الفيروس بين أهلهم و بقية المواطنين فوصلنا الى ما نحن عليه الان، و رغم ذلك لم اغلق الباب نهائيا أمام بقية العالقين و لكن اتخذت إجراءات مشددة و وفرت مراكز للحجر فتحسنت الامور رغم كل النقائص… اما اليوم و بتقدم الامور و بتعمق الازمة الاجتماعية و الاقتصادية و بانتشار الفيروس في كل الولايات أصبحت الظروف صعبة جدا و الجهود منهكة و موزعة علىكل الواجهات..
لكن و رغم كل الوهن و الصعاب لن أنكر حق أبنائي في ليبيا و في كل الدول في دخول بلدهم و ما أطلبه منهم فقط الصبر فعددهم كبير و الى حد اللحظة لا توجد مراكز حجر جاهزة قادرة على استيعابهم بما يضمن سلامتهم و سلامة بقية الشعب في نفس الوقت و انا ساعية لتوفيرها و توفير وسائل لنقلكم إليها دون ان يمس ذلك من سلامة اخوتكم من أبناء شعبكم… زد على ذلك أن كل الاخبار القادمة من ليبيا تتحدث عن فرار مساجين من أصحاب الجنسية التونسية متعلقة بهم قضايا ارهاب من السجون الليبية و من الطبيعي أن أدقق و أتحرى جيدا خوفا من تسللهم و تخفيهم بينكم فلا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين و لنا في تجارب سابقة دروسا عدة و ما يمثله امثال هؤلاء من خطر عليكم كشعب و على دولتكم ككيان يسعون الى تخريبه… نعم قد أكون تأخرت و قصرت في حقكم لكن لم يكن ذاك بارادة و قرار مني انما هو ضرورة تتجاوز مقدرتي و امكانياتي في هذا الظرف الإستثنائي جعلتني اتخلف عن بعض أدواري تجاه شعبي.

 من وجهة نظر مواطن مشاهد
في هذا الوضع لا يمكن أن ترمي كل اللوم لا على المواطن و لا على الدولة فهذا المواطن البسيط الذي انتظر طويلا ثم ثار و دخل عنوة بعد ان فقد الامل في تفاعل السلطة بجدية مع موضوعه…. هو لم يهرب من رفاهية الدول الاوروبية التي توفر للعالقين كل ما يحفظ كرامتهم انما هو عالق في ظروف لا إنسانية و هو في كل الحالات ميت سواء من الوباء او بالسلاح او من الشمس الحارة اذا توصل الامر على ماهو عليه الان و بما ان الموت اصبح لا محالة فمن الطبيعي ان يختار العقل البشري المجازفة باختراق الحدود فإن أفلح فقد بلغ مبتغاه و ان اعترضته رصاصة قاتلة فانه ميت بالطبع فقد استبق بعض الشيء و لن يفرق الحال كثيرا.. اما الدولة فلا ينكر عاقل ظروفها الصعبة على جميع الاصعدة و خاصة اجتماعيا و اقتصاديا في الوضع العادي فما بالك في ظل هذه الازمة العالمية التي ترافق ظهور هذا الوباء و انتشاره و مخلفاتها يوما بعد يوم و قد كان تفاعلها في بادئ الامر مع العالقين سريعا لكن باشتداد الازمة داخليا اصبحت الامور معقدة جدا و النقائص عدة. و بتقدم الزمن صار المسؤول و المؤسسات مطالبين بالعمل بنسق كبير و الاستجابة لمتطلبات الوضع و لمشاكل مختلفة اجتماعيا و اقتصاديا و صحيا و توفير الامن و المحافظة على ابسط مقومات العيش و التوقي من الارهاب بانواعه المختلفة صحيا و غذائيا و عسكريا و كلما تسارعت وتيرة الاحداث صارت مواكبة جميع المطالب في الوقت المناسب من باب المستحيلات فتحدث الاخلالات و تتعطل مصالح المواطن. كما ان في هذا الظرف الإستثنائي يتغير ترتيب الاولويات يوميا فما من معيار ثابت و على الجميع ان يتحمل هذا الوضع الجديد و مقتضياته و على مؤسسات الدولة ان تتفاعل يوميا و تقيم لتدارك ما يمكن تداركه للخروج بأقل الأضرار و للاستجابة قدر الإمكان لاكثر عدد ممكن من الطلبات في اقل وقت ممكن و في احسن ظرف مقدور عليه.

من وجهة نظر القانون
على المستوى الدولي حظي حق العودة بمكانة هامة فقد تم تكريسه في عديد المعاهدات الدولية و الاعلانات المتعلقة بحقوق الانسان فقد رسخ الاعلان العالمي لحقوق الانسان مثلا حق العودة لكل من يغادر بلاده طوعا او هربا و رسخ حقه في الاحتفاظ بجنسيته و ملكه و اي تجاوز لهذه الحقوق يعتبر خارج اطار الشرعية الدولية كما ان هذا نفس الموقف الذي اعتمده العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية و ذلك من خلال الماده 12 الفقرة 4 منه.
و في ظل ما يعيشه العالم اليوم من تفشي فيروس كوفيد_19 اشارت منظمة العفو الدولية لعدة توصيات للدول الاوروبية تحثها على ضمان ان تكون اجراءات تصديها للفيروس تتماشى مع التزاماتها الدولية و الاقليمية في مجال حقوق الانسان و قد اشارت بصورة خاصة تعرض بعض الفئات الضعيفة على غرار المهاجرين المتعرضين بدرجة اولي الى خطر الوباء و مخاطر انتهاك حقوقهم. و بما أن الشان الدولي ينعكس على الشأن الوطني فإن الدستور التونسي اعطى مكانة فوق قانونية و تحت دستورية للمعاهدات الدولية (الفصل 20) هذا و قد نصت توطئة الدستور على ضرورة التمسك بالقيم الانسانية و مبادئ حقوق الانسان الكونية السامية و على احترام الحريات و حقوق الانسان. و يمكن الاشارة بان التوطئة جزء لا يتجزأ من الدستور اي انها تحظى بنفس القيمة القانونية للدستور (الفصل 145).. اما بخصوص الفصول فقد خص الدستور الباب الثاني “الحقوق و الحريات ” فمن اهم ما جاء به الحق في الصحة (الفصل 38) و الحق في التنقل (الفصل 24).
و تكيفا للاحداث المتعلقة بالبوابة الحدودية نجد ان الفصل 25 من الدستور ينص على “يحجر سحب الجنسية التونسية من اي مواطن او تغريبه او تسليمه او منعه من العودة الى الوطن ”
حيث ان هؤلاء المواطنون من حقهم العودة الى وطنهم و خاصة في ظل انتشار الفيروس في البلاد الليبية مما يشكل خطرا على صحتهم و التعامل اللا انساني لهؤلاء من قبل المليشيات الليبية و وجودهم في وضعيات مخالفة لحقوق الانسان و ذلك وفق ما تم تداوله في مقاطع فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي.
و في المقابل لم ترفض البلاد التونسية اجلاء هؤلاء المواطنين و لكنها اعتمدت سياسة المماطلة فقد مضى 20 يوما تقريبا و الدولة لم تتخذ بعد الاجراءات اللازمة
و هذه السياسة التى اتبعتها البلاد التونسية خير دليل على ضعف الدور الاجتماعي و شبه غياب للدستور الاجتماعي اي بما معناها على الرغم من ان الدستور نص على بعض الحقوق الاساسية الا ان هذا التكريس لا يرتقي ليعطي الطابع الاجتماعي للدستور فهي حقوق في مجملها هشة مفرغة من الطابع التقعيدي و في حاجة الى ضمانات مؤسساتية. و في هذا الشأن وجب التعرض الى الفصل 49 من الدستور و المتعلق بالضوابط القانونية بالحقوق و الحريات فإن هذا الاخير غلب فيه الطابع التكليفي و كل ما تم ذكره دليل على فشل السياسات العمومية المتبعة و يبقى في الاخير انه على الجميع تحمل مسؤوليتهم في حادثة البوابة اما الدولة او اللادولة…

الحسين  عبدالكبير – أستاذ تعليم أبتدائي و طالب بكلية الاداب بمنوبة اختصاص لغة عربية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى